عبد الكريم الخطيب
536
التفسير القرآنى للقرآن
في هذه الرياح المرسلة من عنده ، التي تحدث هذه الآثار العظيمة في حياة الناس . . وهذه الآية هي تحريك ألسنة العباد بحمد اللّه والثناء عليه ، وإقامة مشاعرهم على الولاء له ، وإفراده بالعبودية . . ولكن أكثر الناس لا يقيمون وجوههم إلى اللّه ، ولا يذكرون له هذه النعم . . وهذا هو السرّ في تصدير الشكر بحرف الرجاء « لعلّ » . . الذي يفيد الدعوة إلى هذا الأمر المحبوب ، المطلوب ، ولكن قليل هم أولئك الذين يقع لهم ، أو منهم . . هذا الأمر . . وانظر في وجه الآية الكريمة مرة أخرى ، وتأمل هذه « الواوات » التي تقوم على كل مقطع من مقاطعها ، وكأنها رسل من رسل اللّه ، يحمل كلّ رسول منها الآية المرسل بها في هذا العرض العظيم لآيات اللّه ، وكأنه يقول لمن يمرّ به : قف ، وخذ حظك من النظر فيما أحمل إليك من آيات ربك ! . « وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ . . وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ . . وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ . . وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ . . وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . . ألا خسئ وخسر من لا يسجد لجلال اللّه ، ويعنو لعظمته ، وينقاد لدعوته ! ! قوله تعالى : « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ » . هو تعقيب على الآية السابقة ، التي حملت بين يديها آيات كثيرة ، من دلائل القدرة الإلهية وكمالها ، فلم تتفتح لها قلوب كثير من المشركين ، كما لم تتفتح لدعوة الحق قلوب كثير من أهل الضلال في الأمم الماضية ، الذين كذّبوا رسلهم ، واستخفّوا بما حملوا إليهم من آيات اللّه . وفي هذا التعقيب عزاه للنبىّ الكريم ، ومواساة له ، فيما يلقى من قومه من جحود وصدود . . إنه ليس وحده هو الذي كذّب من بين رسل اللّه